محمد أبو زهرة

1612

زهرة التفاسير

فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً عالج الإسلام نفس المذنب ليتوب ، ودعا إلى التوبة دعوة صريحة بفتح باب المغفرة . وفي هذه الجريمة التي تعد من أكبر الكبائر ، كما أنه قد عالج نفس المذنب ، بالإمساك في البيوت للحفظ والرعاية والصيانة ، وبالتغريب بالنسبة للرجل ليسترد كرامته التي هانت بالجريمة والعقوبة المعلنة ، وبمنع الزواج من الزاني والزانية حتى تكون التوبة . فإذا تم العلاج ، وشفى المذنب من الداء ، وكانت التوبة الصحيحة ، وكان من الواجب الإعراض عنهما وعدم تذكيرهما بالجريمة ، فالإعراض هنا ليس معناه الصّدود والاستنكار بل معناه ألا يذكّرا بجريمتهما ، وأن يعاملا معاملة الأطهار الأبرار ، وأن يكون لهما كل تقدير واعتبار ، فإن الإصرار على وصف الجريمة يجعل النفس تهون ، وإذا هانت سهل عليها الهوان ، وأغراها الشيطان بالمعاودة . ويروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عاقب شاربا للخمر بعقوبة الشرب ، وبعد تمامها قال له بعض الحاضرين : « أخزاك الله » ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تعينوا عليه الشيطان » « 1 » ؛ لأن الخزي يشعر النفس بالصغار ، ومع الصغار يسهل الإجرام . وقد ذكر سبحانه وتعالى مع التوبة الإصلاح ، فقال : فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا ، والإصلاح هو إصلاح النفس ، وصلاح العمل ، وذلك دليل التوبة الصادقة ، وقد قرن الله تعالى التوبة دائما بالعمل الصالح ، مما يدل على أن العمل دليل الإقلاع ؛ لأن النفس إذا انحرفت ، وأحاطت بها الخطيئة ، لا يكون الخروج من دائرتها بالقول فقط ، بل بالقول والنية والعمل وإن الله تعالى حينئذ يقبل التوبة ، ولذا ذيل الله تعالى الآية بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً أي أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده دائما . وقد أكد ذلك ب « إن » ، وب « كان » التي تدل على الدوام ، وبصيغة المبالغة « توابا » ، وأشار سبحانه

--> ( 1 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أتي النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم برجل قد شرب قال : « اضربوه » قال أبو هريرة : فمنّا الضّارب بيده والضّارب بنعله والضّارب بثوبه ، فلمّا انصرف قال بعض القوم : أخزاك اللّه قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشّيطان » . [ رواه البخاري : الحدود - الضرب بالجريد والنعال ( 6777 ) ، كما رواه أبو داود وأحمد ] .